آثار عقوبة الاحتجاز على حياة الفرد والمجتمع

التطور التاريخي والتشريعي لعقوبة الاحتجاز

منذ بدء الخليقة والإنسان يبذل من الجهد الدؤب والسعي الحثيث ليدنو من مآربه لإيجاد الأسلوب الأمثل لمواجهة كل معوج من سلوك أو شارد من أفعال وتعددت الآراء وتباينت الاتجاهات وحمل كل منها ما هو صالح مع ما هو طالح في تفاعل جعل لكل منها ذاتية منفردة،ولكنها التقت جميعاً في النهاية على درب واحد طالما سعت جميعها للوصول إليه وهي الأسلوب الأمثل والأكثر فعالية لعقاب كل مقترف لسلوك شارد أو معوج وإصلاح ما يترتب عليه من آثار سلبية ولعل بداية شرود السلوك الإنساني واعوجاجه كانت مع قتل قابيل لأخيه هابيل وتمثل في مواراة قابيل لسؤة أخيه في التراب نمطاً بسيطاً لإصلاح الجاني للآثار المترتبة على اقترافه لجرمه وهذه الواقعة أبرزها القرآن الكريم وذكرها العهد القديم وغايتها تذكير الإنسان بوحشية الجريمة وصعوبة محو آثارها،كما عبرت الكتب السماوية على وحدة قابيل لغياهب الحياة بوحوشها الكاسرة وظلمة ليلها وشقاء نهارها نمطاً آخر لعقاب الجاني عن الجرم الذي اقترفه بجعله يشعر بالندم على ما اقترفه في حق أخيه.

ومع تزايد الاحتياجات الإنسانية وتزايد احتياج الإنسان للعيش في جماعات ظهرت التنظيمات الاجتماعية وظهرت معها الحاجة لوضع قواعد محددة لكل ما هو صالح وكل ما هو طالح والوصول للأساليب المثلى لعقاب مقترفي الجرائم وإصلاح ما يترتب عليها من أضرار.

وفي البداية اتخذت العقوبات صبغة الانتقام الفردي وكانت في غالبها عقوبات بدنية مثل الإعدام وجدع الأنف وقطع اللسان ومع استقرار المجتمعات البشرية تزايدت حدة وضوح الأفعال والسلوكيات المجرمة وتطورت أساليب عقاب مقترفها وظهرت أنماط جديدة من العقوبات مثل النفي والغرامة والمتتبع للحضارات التي أقامها الإنسان على مر الزمن سوءاً منها الفرعونية وحضارة ما بين النهرين والأشوريين والرومانيين يجد أنها إزاء تزايد الحاجة لتهذيب السلوك أوجدت عقوبات تعددت بين الحبس والنفي والغرامة وعرفت عقوبات بديلة مثل إعلان التوبة والاعتراف بالذنب كما أثبتها الاكتشافات الأثرية والمدونات التاريخية.

وفي الشريعة الإسلامية نجد أنها عرفت العديد من أنماط العقوبات والتي تقع في عصرنا الحديث تحت مسمى العقوبات البديلة مثل الكفارة عقوبة لاقتراف بعض الأنماط السلوكية مثل الإفطار عمداً في شهر رمضان والحنث باليمين والقتل الخطأ بصيام شهرين متتابعين بعد دفع دية الخطأ كعقوبة تعزيرية بديلة،وكذا فقد الأهلية للشهادة كعقوبة مقررة لقذف المحصنات من النساء وعجز القاذف عن الإتيان بأربعة شهود لإثبات صحة ما نسبة للمرأة المحصنة وعقوبة الحرمان من الميراث والوصية للقاتل العمد وعقوبة التغريب والنفي للزاني وقاطع الطريق وعقوبة الوعظ والهجر فيما رؤي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد أقر بهجر كل من كعب بن مالك ومروان بن الربيع وهلال بن أميه لتخلفهم عن غزوة تبوك كما أمر الرسول الناس باعتزالهم.

كما عرفت الشريعة الإسلامية الغراء الغرامة كجزاء لاقتراف بعض السلوكيات المجرمة مثل سرقة ثمر الأشجار المعلقة ولم يعرف الإسلام في بدايته عقوبة الحبس.

أما في العصر الحديث فقط ظهرت فكرة العقوبة البديلة وعملت عدة مدارس فقهية على تطويرها مثل المدرسة الوضعية الإيطالية والمدرسة الوسطية التوفقية ومدرسة الدفاع الاجتماعي ونتيجة لظهور تلك المدارس الفقهية وما طرحته من آراء وأفكار تأثرت بها النظم القانونية المختلفة وكانت بداية هذا التفكير في منتصف القرن التاسع عشر بظهور مؤسسات في انجلترا يودع بها مرتكب جريمة تحت تأثير عاهة عقلية أو اللذين تنعدم مسئوليتهم الجنائية ثم تلا ذلك ظهور التدابير الاحترازية في التشريعات العقابية وكانت بداية ظهورها في التشريع السويسري الصادر عام 1893م ثم قانون العقوبات الإيطالي الصادر في عام1889م ثم المرسوم الفرنسي الخاص بالأحداث الصادر في عام 1945م…الخ.

أما في اليمن فقد صدرت العديد من القوانين التي تضمنت بعض نصوصها أنماط عديدة من التدابير الاحترازية والعقوبات البديلة مثل قانون الإجراءات الجزائية وقانون العقوبات وقانون الأحداث والقوانين الضريبية وقانون الجمارك وقانون تنظيم استيراد وتداول المبيدات والآفات النباتية….الخ.

كما كانت العقوبة البديلة محور مناقشة العديد من المؤتمرات الدولية مثل المؤتمر الدولي لقانون العقوبات والذي عقد في بروكسيل عام 1926م والمؤتمر الدولي لقانون العقوبات والذي عقد في روما عام1928م والمؤتمر الدولي لعلم العقاب الذي عقد في براغ عام1930م والمؤتمر الدولي لعلم العقاب والذي عقد في برلين عام1935م والمؤتمر الدولي لقانون العقوبات الذي عقد في باريس عام1937م والمؤتمر الدولي لعلم الإجرام والذي عقد في باريس عام1950م والمؤتمر الدولي لقانون العقوبات الذي عقد في روما عام1953م.

الآثار السلبية لعقوبة الاحتجاز قصيرة المدة

لا شك أن مميزات العقوبة البديلة تنبعث من سلبية عقوبة الحبس القصير المدة ذلك أن هذا الحبس يترك العديد من الآثار السلبية ويصيب البعض منها المحكوم عليه والبعض الآخر أسرته وعائلته فضلاً عن الآثار الاجتماعية وامتداد تأثيرها ليصيب الاقتصاد القومي من المجتمع ونورد بشيء من التفصيل سلبية عقوبة الحبس قصير المدة باعتبار آثارها ضرورية لإبراز مميزات العقوبة البديلة

أثر عقوبة الاحتجاز على المحكوم عليه:

لا شك أن انتزاع المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة من المجتمع يصيبه بأضرار نفسية وعضوية متعددة نتيجة للفجوة الهائلة بين نمط حياته داخل السجن المتسم بالصرامة والانصياع للأوامر التي توجه إليه وعدم تلبية الكثير من احتياجاته ونمط حياته قبل دخوله السجن والقائم على استقلاليته وحريته في اتخاذ ما يريد من القرارات فضلاً عما تخلفه عقوبة الحبس من شعوره بالمهانة وفقد الهيبة والاحترام أمام أسرته وعائلته بصفة خاصة والمجتمع الذي انفصل عنه بصفة عامة وهو ما يشكل عائقاً يحول بينه وبين تكييفه النفسي والاجتماعي مع مجتمعه الجديد داخل السجن خلال فترة العقوبة مع المجتمع الذي انفصل عنه لتنفيذ العقوبة عقب انتهائه من تنفيذها وهو ما يؤدي في نهاية المطاف للوقوع فريسة للعديد من الأمراض النفسية والعضوية وتنعكس هذه الآثار على الجوانب المختلفة لشخصيته وسلوكياته سواءً في تعامله مع ذاته أو مع باقي النزلاء في المؤسسة العقابية أو القائمين على أدرتها أو مع أفراد أسرته وعائلته أثناء فترة العقوبة أو بعد انتهائها أو في التعامل مع أفراد المجتمع عقب انتهائه من تنفيذ العقوبة،فضلاً عن تأثير عقوبة الحبس القصيرة المدة للسجين وتعرضه إلى أضرار صحية نتيجة كثرة السجناء أو تعرض أحدهم للمرض مما قد تنقل العدوى للآخرين ويصاب بهذه العدوى السجين المحكوم بمدة السجن البسيطة فضلاً عن الاضطرابات النفسية في السجن ولا يخفى على أحد بأن الخدمات الصحية التي تقدم للمسجونين.

أثار عقوبة الحبس قصيرة المدة على أسرة المحكوم عليه:

أن انتزاع المحكوم عليه من أسرته والزج به في السجن لقضاء فترة العقوبة وما يترتب على هذا الأمر من تداعيات نفسية لأفراد أسرة السجين خاصة إذا ما كان المحكوم عليه هو عائل لأسرة أو أماً لأطفال في حاجة ماسة لها مما يؤدي إلى حرمان هؤلاء الأطفال من تنشئة نفسية وعضوية سليمة وعلى المدى الطويل سيكون هؤلاء الأطفال بالطبع أكثر حساسية وعرضه للانزلاق إلى درب الجريمة خاصة إذا ما اقترنت تلك الآثار النفسية بما ينقله إليهم آبائهم وأمهاتهم من خبرات إجرامية وقيم فاسدة ومنحرفة يكونوا قد اكتسبوها خلال فترة العقوبة.

ولا شك أن فقدان الأسرة للمورد المالي إذا كان المحكوم عليه هو مصدر ذلك المورد يؤدي إلى إصابتهم بتداعيات نفسية جسيمة تولد لديهم مشاعر الحقد والكراهية تجاه المجتمع لاضطرارهم للخروج لمعترك الحياة لتوفير متطلباتهم المعيشية والمتطلبات المالية للمحكوم عليه وقد يدفع بالزوجة وأولادها إلى التسول والانحراف.

كما أن وصمة العار التي تلحق بالمحكوم عليه تمثل هي الأخرى عائقاً أمام إعادة دمجه في مجتمعه مرة أخرى.

كما أن من شأن عقوبة الاحتجاز قصيرة المدة في حالة تنفيذها أن تفقد الآباء بعد الإفراج عنهم أو أثناء تنفيذها لمواردهم المالية وأماكن إقامتهم وما يخلفه هذا الأثر على العلاقة التي تصيب المفرج عنه وأبنائه نتيجة شعور هؤلاء الأبناء بالضياع والتشرد مما ينعكس الأمر بأثر قد يرمي على العلاقة الأسرية التي تربط المفرج عنهم بأبنائهم وقد يعيق إعادة دمج المفرج عنهم من جديد بالمجتمع وقد يخلف اثر تنفيذ العقوبة صعوبة اندماج أفراد وأسر وعائلات المفرج عنهم في النسيج الاجتماعي.

كما أن من أثار تنفيذ عقوبة الاحتجاز قصيرة المدة على الأسرة من تأثير سلبي يمتد إلى الزوجة التي قد تلجأ إلى الخلع وقد تسوء الحالة التعليمية للأبناء والبنات فضلاً عن استغلال رفقاء السوء لأفراد الأسرة في ظل غياب معيلها أو افتقادها للمصدر المادي الذي يساعد أفرادها على تجاوز ظروف الحياة.

أثار عقوبة الاحتجاز قصيرة المدة على العلاقات الاجتماعية:

لعقوبة الاحتجاز قصيرة المدة العديد من الآثار السلبية على العلاقات الاجتماعية سواءً تلك التي تربط المحكوم عليهم بأفراد أسرهم وعائلاتهم أو تلك التي تربط المحكوم عليهم بسائر أفراد المجتمع أو تلك التي تربط أفراد واسر وعائلات المحكوم عليهم بأفراد المجتمع،ولا شك أن إيداع المحكوم عليه في السجن لقضاء العقوبة يعد انتزاعاً وفصلاً له من النسيج الاجتماعي للمجتمع الذي يعيش فيه وإدخاله ضمن مجتمع السجن يكون فيه مطالباً بإنشاء علاقات جديدة بينه وبين أفراد مجتمعه الجديد بما يحمله هذا المجتمع من نظم وقواعد مختلفة عن تلك التي يعيشها المجتمع خارج حدود السجن وبعد فترة انتهاء العقوبة يعود من جديد لمجتمعه الأساسي وهنا تظهر مشكلة تقبل المجتمع للمحكوم عليه بالنظر إلى ما يحمله أفراد المجتمع تجاه المفرج عنه من شعور معين قد يميل العديد منهم إلى الابتعاد عنه وصعوبة إعادة الروابط الاجتماعية بينه وبين أفراد مجتمعه أو إنشاء روابط اجتماعية جديدة وقد ينسحب هذا الأثر على أفراد أسرة المحكوم عليه نتيجة وصمة العار التي تلحق بكل من يدخل السجن ولا شك أن هذه الوصمة تلحق أفراد أسرته وعائلته أو من يرتبط به بعلاقة لما ترسخ في أذهان الناس من صورة سيئة لكل من يرتبط بنمط من العلاقات مع أفراد تلك العائلة دون ذنب اقترفوه.

الآثار الاقتصادية لعقوبة الاحتجاز قصيرة المدة:

من المحتم أن الدولة يقع عليها عبء اقتصادي كبير فهي في سبيل تنفيذ عقوبة الاحتجاز في حاجة لبناء مزيد من السجون لاستيعاب الإعداد المتزايدة من المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة المدة بالإضافة لتوفير متطلبات إعاشتهم خلال تنفيذ فترة العقوبة من مأكل وملبس ورعاية صحية واجتماعية ونفقات حراسة السجون التي يتم تنفيذ العقوبة بها ونفقات توفير الرعاية اللاحقة لهم ولأسرهم عقب الإفراج عنهم.كل ذلك يخلف مزيد من الضغط على موازنة الدول التي هي في حاجة إلى توجيه مواردها نحو التنمية.

العقوبات البديلة : احمد محمد الجندبي – اليمن

القسم : الاحتجاز,الحقوق والتنمية,الحقوق والحريات